سيد محمد طنطاوي
42
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فقد دارت الدائرة على اليهود من بنى قينقاع والنضير وقريظة وغيرهم ، بعد بضع سنوات من الهجرة ، وتم فتح مكة في السنة الثامنة بعد الهجرة . وقوله * ( وبِئْسَ الْمِهادُ ) * إما من تمام ما يقال لهم ، أو استئناف لتهويل شأن جهنم ، وتفظيع حال أهلها . ثم ساق القرآن مثلا مشاهدا يدل على نصر اللَّه - تعالى - لأوليائه وخذلانه لأعدائه ، فقال : * ( قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّه وأُخْرى كافِرَةٌ ، يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ) * . والمراد بالآية هنا العلامة والبرهان والشاهد على صدق الشيء المخبر عنه . والفئة - كما يقول القرطبي - الجماعة من الناس ، وسميت الجماعة من الناس فئة لأنها يفاء إليها ، أي يرجع إليها في وقت الشدة ، ولا خلاف في أن الإشارة بهاتين الفئتين هي إلى يوم بدر . ثم قال : ويحتمل أن يكون المخاطب بهذه الآية جميع المؤمنين ، ويحتمل أن يخاطب بها جميع الكفار ، ويحتمل أن يخاطب بها يهود المدينة ، وبكل احتمال منها قد قال قوم . وفائدة الخطاب للمؤمنين تثبيت النفوس وتشجيعها ، حتى يقدموا على مثليهم وأمثالهم كما قد وقع « 1 » . والمعنى : قد كان لكم أيها الناس علامة عظيمة ، ودلالة واضحة على أن الكافرين سيغلبون والمؤمنين سينصرون بما جرى في غزوة بدر ، فقد رأيتم كيف أن اللَّه - تعالى - قد نصر لمؤمنين مع قلة عددهم ، وهزم الكافرين مع كثرة عددهم وعددهم . ولقد كان المؤمنون يرون أعداءهم أكثر منهم عددا وعدة ومع ذلك لم يهابوهم ولم يجبنوا عن لقائهم ، بل أقدموا على قتالهم بإيمان وشجاعة فرزقهم اللَّه النصر على أعدائهم . ووصف - سبحانه - الفئة المؤمنة بأنها تقاتل في سبيل اللَّه ، على سبيل المدح لها ، والإعلاء من شأنها ، وبيان الغاية السامية التي من أجلها قاتلت ، ومن أجلها تم لها النصر فهي لم تقاتل لأجل عرض من أعراض الدنيا ، وإنما قاتلت لإعلاء كلمة اللَّه ونصرة الحق . ووصف الفتنة الأخرى بأنها كافرة لأنها لم تؤمن بالحق ، ولم تتبع الطريق المستقيم ، بل كفرت بكل ما يصلحها في دينها ودنياها . ولم يصفها بالقتال كما وصف الفئة المؤمنة . إسقاطا لقتال تلك الفئة الكافرة عن درجة الاعتبار ، وإيذانا بأن الرعب الذي ألقاه اللَّه في قلوبهم عند لقائهم للمؤمنين ، جعلهم بأنهم ليسوا أهلا لأن يوصفوا بالقتال .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 3 ص 25 .